عبد الوهاب الشعراني

699

لواقح الأنوار القدسية في بيان العهود المحمدية

[ الترغيب في عدم ترك شيء من الأعمال التي يتسبب عنها العرق : ] ( أخذ علينا العهد العام من رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم ) أن لا نترك شيئا من الأعمال الشاقة التي يخرج منها العرق بسببها كحفر الآبار والقبور والذكر بالهمة ونحو ذلك إلا عملناه فإن لم يتيسر لنا ذلك استغفرنا اللّه تعالى من عدم فعل ذلك ، وهذا العهد قد قل العاملون به وركنت نفوسهم إلى الأعمال الخفيفة التي لا يخرج ممن فعلها عرق فيجتمع عليهم ذلك العرق الذي لم يخرجوه في دار الدنيا في طاعة اللّه عز وجل ، فيخرج عليهم يوم القيامة فيلجمهم أو يصير إلى حقويهم أو يغطي رؤوسهم كما ورد ، ولو أنهم تعاطوا فعل الطاعات الشاقة التي تخرج عرقهم لكان عرقهم يخف عنهم يوم القيامة حتى يصير إلى خلخال رجلهم أو أقل من ذلك ، ويقاس بالعرق العري والعطش والجوع والخوف وسائر المفزعات ، فمن كسى فقيرا للّه بعث مكسوا ، ومن سقاه بعث مرويا ، ومن أطعمه بعث شبعانا ، ومن خاف من اللّه هنا أمن منه هناك ، فاعلم ذلك واعمل عليه واللّه يتولى هداك . وقد روى الطبراني ورواته ثقات مرفوعا : « يبعث النّاس حفاة عراة غرلا قد ألجمهم العرق وبلغ شحوم الآذان » زاد أحمد « حتّى أنّ السّفن لو أجريت في عرقهم لجرت » . وروى الطبراني وابن حبان في « صحيحه » مرفوعا : « إنّ الرّجل ليلجمه العرق يوم القيامة ، فيقول : يا ربّ أرحني ولو إلى النّار » . زاد في رواية للحاكم : « وهو يغلي فيها من شدّة العذاب » . وفي رواية للطبراني وغيره : « يكون النّاس على قدر أعمالهم في العرق . فمنهم من يكون إلى كعبيه ، ومنهم من يكون إلى ركبتيه ، ومنهم من يكون إلى حقويه ، ومنهم من يلجمه العرق إلجاما ، وأشار صلى اللّه عليه وسلم إلى فيه » واللّه أعلم . زاد في رواية للإمام أحمد والطبراني وابن حبان : « ومنهم من يغطّيه عرقه » واللّه تعالى أعلم . [ الحث على محاسبة النفس في جميع أحوالها : ] ( أخذ علينا العهد العام من رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم ) أن لا نغفل عن محاسبة نفوسنا في جميع أحوالنا لا سيما العلم والمال والعمر والجسم ، فمن حاسب نفسه هنا خفّ حسابه هناك وكان يسيرا ، ومن أهمل نفسه هنا طال حسابه هناك وكان عسيرا . وكان سيدي أحمد بن الرفاعي رحمه اللّه يقول : من لم يحاسب نفسه على الخطرات واللحظات في كل نفس لم يكتب عندنا في ديوان الرجال ، وإيضاح ذلك أن مراد الحق تعالى بحسابه عبده الاعتراف بما جناه ورؤية الفضل للّه تعالى في حلمه على العبد أو ترك مؤاخذته ، فمن كان معترفا له بذلك لا يحاسب إلا فيما أغفله هنا ، فإن قدر أنه لم يغفل عنه شيئا لم يحاسب أصلا .